📁

رواية وهم الرجوع الفصل الخامس عشر 15 بقلم رميسه

رواية وهم الرجوع الفصل الخامس عشر 15 بقلم رميسه

رواية وهم الرجوع بقلم رميسه


الفصل الخامس عشر - نداء الماضي 

كان المطعم ينبض بأضواء خافتة وألحان موسيقية هادئة، تضفي جوًا دافئًا على المكان. جلست رحيل مقابلة ليوسف، تتأمل قائمة الطعام بينما هو يراقبها بنظرات متفحصة، كأنما يحاول قراءة ما يدور في عقلها.

بدأت رحيل تتحدث بحماس عن مشاريعها القادمة.

"عارف يا يوسف، حاسة إن رجوعي للشغل كان أحسن قرار خدته، حسيت إني بستعيد نفسي تاني. كمان جالي مشروع تصميم جديد مع شركة معروفة، ولو نجح هيفتح لي أبواب كتير."

كان يوسف ينظر إليها لكنه لم يكن حاضرًا تمامًا، فبينما كانت تتحدث، كانت عيناه تائهتين، وأصابعه تنقر بخفة على الطاولة. لاحظت رحيل ذلك فورًا.

"يوسف، مالك؟ أنت سامعني أصلًا؟"

رفع يوسف عينيه بسرعة، كأنه انتبه فجأة، وحاول الابتسام.

"هاه؟ آه طبعًا سامعك، مشروع تصميم جديد، حلو جدًا."

ضيّقت رحيل عينيها وهي تنظر إليه بريبة.

"لا، مش حاسة إنك مركز معايا، في إيه؟ شكلك مش طبيعي."

بعدما استمتع يوسف ورحيل بحديث هادئ عن مشاريعها في العشاء، شعر يوسف فجأة بحاجة للخروج قليلاً. استأذنها بابتسامة خفيفة وقال: "هروح الحمام دقيقة وراجع."

راقبته رحيل وهو يبتعد، لكن شيئًا ما في طريقة مشيه، في التوتر الطفيف في صوته، جعلها تشعر أن هناك أمرًا يشغل باله. لم تهتم كثيرًا في البداية، لكنها لم تستطع تجاهل الشعور الخفي بعدم الارتياح.

أما يوسف، فبمجرد أن دخل إلى الحمام، أخرج هاتفه بسرعة واتصل بيارا. دقات قلبه كانت تتسارع، لكنه تظاهر بالهدوء. الهاتف رن مرة... مرتين... ثلاثًا، لكنها لم تجب.

زفر بضيق وأعاد المحاولة، لكن الرد جاء برسالة قصيرة: "مشغولة حاليًا، هكلمك بعدين."

تشنج فكّه وأغلق الهاتف، شعر بقلق لم يفهم سببه، أهو بسبب وجودها مع رجل آخر؟ أم لأنه هو من بادر بالاتصال؟

غسل وجهه بسرعة ونظر لنفسه في المرآة، محاولًا استعادة هدوئه. ثم خرج متجهًا نحو طاولته حيث كانت رحيل بانتظاره. جلست بتركيز، وعندما رفعت نظرها إليه، لاحظت شيئًا غريبًا في تعابير وجهه.

"مالك؟" سألته بلطف وهي تميل رأسها قليلًا.

تردد يوسف للحظة، لكنه سرعان ما ابتسم قائلاً: "ولا حاجة، يمكن بس حسيت بإرهاق بسيط."

رفعت حاجبيها، لم تكن مقتنعة تمامًا، لكنها قررت ألا تضغط عليه أكثر. رغم ذلك، ظل هناك توتر خفي في الهواء بينهما، وهو شيء لم تكن رحيل وحدها من تشعر به، بل حتى يوسف نفسه.

جلس أمام رحيل التي كانت تراقبه بعينين ضيقتين قبل أن تعيد سؤاله: "متأكد إنك كويس؟"

أومأ يوسف سريعًا وقال بصوت بدا مصطنعًا: "أيوة، تمام.. نطلب الحساب؟"

رفعت حاجبها بدهشة: "لسه بدري، إيه مستعجل كده ليه؟"

ابتسم يوسف ابتسامة مشدودة وقال: "حاسس بإرهاق.. الأفضل نرجع."

لم تكن رحيل مقتنعة، لكنها لم تعلق. طلب يوسف الحساب بسرعة، ثم وقف مستعجلًا وهو ينظر حوله كأنه يبحث عن شيء، أو بالأحرى، كأنه يحاول تجنب رؤية شيء ما.

خرج الاثنان من المطعم، وبينما كان يوسف يسير بجانبها متوترًا، لم تكن رحيل تعلم أن عيناه كانتا تبحثان عن شخص معين.. شخص يخشى أن تراه رحيل في المكان الخطأ.

داخل السيارة، كان الصمت هو سيد الموقف. جلست رحيل بجوار يوسف، تراقبه بطرف عينها وهو يقود بسرعة تفوق المعتاد، وكأن شيئًا ما يطارده. لم تستطع كبح فضولها أكثر، فسألته بصوت هادئ لكنه يحمل نفحة من الشك:

يوسف، في حاجة؟ شكلك مش طبيعي.

أخذ يوسف نفسًا عميقًا، يحاول إخفاء توتره، لكنه لم ينجح تمامًا. رد بسرعة دون أن ينظر إليها:

لا، مفيش حاجة، بس تعبان شوية من الشغل.

راقبته رحيل للحظات، ثم أعادت نظرها للطريق. لم تكن مقتنعة تمامًا بإجابته، لكنه لم يمنحها فرصة لمزيد من الأسئلة. أما هو، فكان عقله مشوشًا بالكامل.

"ليه يارا كانت هناك؟ هل فعلًا عندها حد جديد في حياتها؟ مستحيل.. دي كانت مستنية مكالمتي، يعني كانت عاملة ده مخصوص عشان تستفزني! بس ليه؟ عايزة توصل لإيه؟"

"ورحيل ... شكلها سعيدة إنها خرجت معايا، ضحكتها دي وحكاياتها عن الشغل.. زمان كانت بتحكيلي عن أحلامها، عن مشاريعها.. وأنا كنت فخور بيها، كنت بشجعها.. دلوقتي بقت بعيدة عني، بتحكيلي كأنها بتحكي لحد غريب.. ليه حاسس إنها بتبعد أكتر؟"

"أنا مش عايز أخسرها.. بس كمان مش عارف أبعد عن يارا.. يارا جزء من الماضي اللي مش قادر أنساه، ورحيل.. هي الحاضر اللي خايف يضيع مني!"

عندما توقفت السيارة أمام المنزل، نزلت رحيل أولًا، دون أن تنتظر يوسف. فتحت الباب ودخلت، بينما تبعها يوسف بعد لحظات، وكأن خطواته كانت مثقلة بأفكار مشوشة لا يريد لها أن تظهر.

كانت رحيل صامتة، لكنها لم تستطع منع نفسها من إلقاء نظرة خاطفة عليه، لاحظت كيف تجنب النظر في عينيها، وكيف بدا وكأنه مستعجل للذهاب إلى غرفته.

رحيل (بهدوء لكن بحدة خفية):
– "في حاجة شغلاك؟ من أول ما خرجنا من المطعم وأنت مش على طبيعتك."

رفع يوسف حاجبيه كأنه تفاجأ بسؤالها، لكنه سرعان ما استعاد رباطة جأشه.

يوسف (بابتسامة باهتة):
– "لا، مفيش.. بس شوية إرهاق من الشغل."

رحيل (مراقبة إياه):
– "إرهاق؟ ولا حاجة تانية؟"

هنا، شعر يوسف بداخلها نبرة شك خفية، لكنه لم يرد أن يفتح أي باب جديد للنقاش.

يوسف (يحاول إنهاء الحديث):
– "رحيل، بجد مفيش حاجة.. كان يوم طويل، وأنا محتاج راحة."

لم تعلق رحيل، فقط هزت رأسها ببطء، لكنها لم تصدقه تمامًا. هناك شيء ما لا يريد قوله، وهي لم تعد تثق بسهولة في كلماته كما كانت تفعل من قبل.

تركته ودخلت غرفتها، بينما وقف يوسف للحظات مكانه، ثم زفر بعمق قبل أن يتجه إلى غرفة اخرى هو الآخر لكنه لم يستطع النوم بسهولة، لأن فكرة واحدة لم تفارقه: "لازم أعرف يارا كانت بتعمل إيه النهاردة.. وليه؟"

بعدما دخل يوسف الغرفة، أغلق الباب خلفه بهدوء، لكنه لم يفتح الأنوار. رمى هاتفه على الطاولة ثم جلس على حافة السرير، واضعًا رأسه بين يديه. أفكاره تتلاطم بداخله، ولم يكن يستطيع تجاهل ما رآه في المطعم،لم يستطع طرد صورة يارا وهي جالسة مع ذلك الرجل من ذهنه. كان يحاول إقناع نفسه بأن الأمر لا يعنيه، لكنه لم يكن قادرًا على تجاهل ذلك الشعور الذي استقر في صدره.

أخرج هاتفه مرة أخرى، وتردد لثوانٍ قبل أن يضغط على اسم "يارا" في قائمة الاتصال. رفع الهاتف إلى أذنه، وانتظر..

رن الهاتف مرة واحدة… مرتين… ثلاث… لكن لا إجابة.

زم يوسف شفتيه بغيظ، وكاد يغلق الخط، لكن في اللحظة الأخيرة، جاءه صوتها أخيرًا، باردًا ومتزنًا كعادتها.

يارا (ببرود متعمد):
– "يوسف... غريب! بتتصل في الوقت ده؟"

شدّ يوسف على الهاتف بين أصابعه، ولم يضيع الوقت في المجاملات.

يوسف (بصوت جاد ومباشر):
– "مين الراجل اللي كنتي قاعدة معاه في المطعم النهاردة؟"

ضحكت يارا بخفة، وكأن سؤاله لم يفاجئها.

يارا:
– "خطيبي... وهيبقى جوزي قريب."

شعر بشيء ما يتحرك داخله، لم يكن غضبًا صريحًا، لكنه لم يكن ارتياحًا أيضًا.

يوسف (بصوت منخفض، لكنه متوتر):
– "إنتِ بتعملي كده ليه؟"

يارا (بسخرية ناعمة):
– "بعمل إيه، يوسف؟ أنا ببساطة بكمل حياتي... زيك تمامًا. ولا كنت متوقعني أفضل مستنياك؟"

لم يجد ردًا سريعًا. شعر وكأن كلماتها أصابته في موضع ما، لكنه لا يريد الاعتراف بذلك.

يارا (بنبرة أخف، لكن حاسمة): تصبح على خير يا يوسف.
وأغلقت الخط.

ظل يوسف يحدق في شاشة الهاتف، وكأن عقله لم يستوعب تمامًا ما حدث. شعر أن هناك شيئًا غريبًا يجتاحه، لكنه لم يستطع تحديده. هل هو مفاجأة؟ ضيق؟ غيرة؟ لا يعرف.

ألقى الهاتف بجانبه، وأسند رأسه إلى السرير، مغلقًا عينيه وهو يأخذ نفسًا عميقًا. لكنه لم يستطع منع نفسه من التفكير في كلماتها، وفي ذلك الشعور غير المريح الذي تركته المكالمة بداخله.

༺بقلم رميسة༻
يتبع
لقراءة باقي فصول الرواية اضغط هنا (رواية وهم الرجوع )
Mohamed ME
Mohamed ME
تعليقات



close