رواية وهم الرجوع الفصل السابع عشر 17 بقلم رميسه
رواية وهم الرجوع بقلم رميسه
- اللحضة الحاسمة
وقف يوسف أمام باب شقة يارا للحظات، متردداً، لكنه أخيراً رفع يده وطرق الباب. لم تمضِ سوى لحظات حتى فُتح الباب، وظهرت يارا أمامه، عيناها متفاجئتان.
"إيه اللي جابك؟" قالتها بصوت هادئ لكنه متوجس.
نظر إليها يوسف نظرة غاضبة قبل أن يرد بحدة: "إنتي عارفة أنا جيت ليه، مين الراجل اللي كان معاك في المطعم؟"
رفعت يارا حاجبيها بدهشة قبل أن تعقد ذراعيها أمام صدرها وتقول بلا مبالاة: "وإيه مشكلتك؟"
"مشكلتي إنك قلتي إنه خطيبك، يارا! ليه؟"
تنهدت يارا وأشاحت بنظرها بعيداً قبل أن ترد ببرود: "لأنه خطيبي بجد."
سرت رعشة خفيفة في جسد يوسف، لم يتوقع تلك الإجابة. شعر بغيرة تشتعل داخله دون أن يدرك السبب الحقيقي وراءها. "ليه عملتي كده؟"
نظرت إليه يارا بعينين واثقتين وقالت: "ليه؟ فاكر إني هفضل مستنياك تاخد خطوة؟ زي ما إنت عشت حياتك، أنا كمان قررت أكمل حياتي."
شعر يوسف بأن الهواء صار أثقل من أن يستنشقه، لم يكن مستعداً لسماع تلك الكلمات منها. تراجع خطوة للوراء وهو يحاول استيعاب ما قالته.
يوسف (بعصبية): "إزاي فجأة تتخطبي وإنتي حتى مقلتيش؟"
يارا (تبتسم بخبث وهي تتكئ على الطاولة): "مالك يا يوسف؟ مستغرب ليه؟ كنت فاكرني هستناك العمر كله"
"يوسف، أنا استنيتك كتير... كتير أوي. لكن انت ماعملتش أي خطوة جديدة، فضلت مكاني مستنياك، بس انت مكمل حياتك عادي."
يوسف (يحاول كتم غضبه): "أنا... أنا بس مش مستوعب. إنتي حتى مش بتحبيه!"
يارا (تقترب منه قليلًا، تنظر في عينيه بنظرة ماكرة): "هو على الأقل عايزني ومستعد يعلن ده، مش زي حد تاني كان بيستخبى ورا أعذار وهمية!"
يوسف (يتوتر، يشيح بوجهه عنها): "أنا مكنتش بستخبى، إنتي عارفة إني كنت محتاج وقت..."
يارا (تميل عليه هامسة بصوت منخفض لكنه يحمل سخرية): "وقت؟ عشان إيه؟ عشان تفهم إنك مش قادر تنساني؟ ولا عشان تفضل عايش بين نارين، مش عارف تختار؟ انا اديتك وقت كتيير لكن انت ماعملتش حاجة".
أنا مش هفضل واقفة في نفس المكان، أنت اخترت طريقك وأنا اخترت طريقي."
يوسف (يحاول التماسك لكنه مرتبك): "يارا، ده قرار مصيري، مش لعبة!"
يارا (تضحك بسخرية، تتراجع وتضع يديها على خصرها): "بالنسبة لك يمكن، بس أنا قررت ألعب اللعبة بطريقتي، وعرفت ازاي أخد قراري! السؤال بقى... أنت هتسيبني أم... هتعمل حاجة بجد لأول مرة في حياتك؟"
يوسف كان يقف أمام يارا، عينيه تتنقل بين يديها التي كانت تلمس الزجاج بحركة ثابتة وكأنها تحدد مصيرهم. كان يراها، لكنه كان لا يستطيع رؤيتها بوضوح، كأن العالم حوله يختلط، وتشتت الأفكار في رأسه جعل القرار صعبًا .
يوسف أخذ نفسًا عميقًا، وعينيه تغرق في الارتباك. كان يعلم أن العودة إلى يارا تعني تدمير كل شيء مع رحيل، لكنه في الوقت ذاته لم يكن قادرًا على كبح مشاعره التي كانت تدفعه للعودة إلى الماضي.
"أنا... مش عارف أعمل إيه، يارا." قالها بصوت مليء بالتردد، كأن الكلمات قد خذلته.
"أنا مش عايز أخسر رحيل هي كل حاجة لي دلوقتي، لكن... إنتي جزء من حياتي ماقدرش أنساه."
ضحكت يارا ضحكة خفيفة، كأنها تراقب تردده بكل براعة:
"يوسف، في حاجة مش واضحة عندك. لو كنت بجد حابب رحيل بجد، كنت هتكون معايا دلوقتي؟ لكن الحقيقة إنك مش قادر تترك الماضي، مش قادر تسيبني. وده اللي بيوجعك. وكلما حاولت تبتعد عني، أنا بقترب منك أكتر."
قالتها يارا بصوت هادئ، لكنها كانت تعرف كيف تؤثر عليه.
يوسف انتفض في مكانه، يشعر أن قلبه في صراع مستمر. كان يريد أن يثبت لنفسه أنه اختار الحياة مع رحيل، لكنه لم يكن قادرًا على كبح الرغبة في العودة إلى الماضي.
ابتسمت يارا ابتسامة خبيثة، عرفت كيف تسحب خيوط اللعبة لصالحها.
أنا الوحيدة اللي عارفة إزاي تكون سعيد، أنا سعادتك، يوسف. لما تكون معايا، هتحس بالراحة اللي مش هتلاقيها مع أي حد تاني."
يوسف شعر بالتوتر يتسارع داخل صدره. كان يريد أن يصدقها، لكن عقله كان يصرخ بأن هذا خطأ.
"إنتي بتقولي كده عشان تشوّش عليَّ. أنا مش هقدر أعيش في الماضي ده تاني."
يارا تقدمت خطوة للأمام، عيونها لا تزال ثابتة في عينيه.
"أنا مش بقولك تعيش في الماضي، أنا بقولك تعيش في الحاضر... معايا. كل لحظة معايا هتكون أفضل من أي لحظة مع رحيل. أنا عارفه إزاي أخليك سعيد، يوسف. أنا سعيدتك."
يوسف كان يشعر بحيرة عميقة، كأن القرار أصبح أصعب من أي وقت مضى. كل كلمة من كلماتها كانت تشده إليها، كان في تلك اللحظة يشعر بأنه ينجذب إليها أكثر من أي وقت مضى.
"لكن لو رجعت ليكي، هخسر كل حاجة. هدمّر حياتي."
يارا كانت تعلم تمامًا كيف تؤثر عليه، وأغلقت المسافة بينهما خطوة أخرى.
"وأنا هخليك تكتشف إنك لو بقيت مع رحيل، هتكون دايمًا ناقص، هتظل تدور على حاجة مش هتلاقيها. أنا سعادتك، يوسف."
يوسف كان يقف في حالة صمت، قلبه يضطرم بين كلماتها وبين التردد الذي يعتصره. هل يواصل مع رحيل ويترك هذا الارتباط الغريب مع يارا، أم يختار العودة إلى الماضي، حيث كان كل شيء مختلفًا؟ كان في تلك اللحظة في معركة داخلية لم يكن يعرف كيف يخرج منها.
من ناحية أخرى، رحيل كانت تجلس في سيارتها، قلبها يضطرب في صدرها. كان عقلها مشغولًا بكل شيء، وتلك اللحظة التي شعرت فيها أن شيئًا ما يجب أن يحدث. لم يكن من السهل عليها أن تأتي إلى هنا، لكن الحيرة التي كانت في قلبها كانت أكبر من أي شك. كل شيء بدا ضبابيًا، وكان هناك شيء يخبرها أنها يجب أن تكتشف الحقيقة بنفسها.
نزلت رحيل من السيارة ببطء، شعرت أن قدميها مثقلتين، كما لو أن الثقل كان يضغط عليها بشدة. نزلت إلى الأرض، ورفعت رأسها لتلقي نظرة أخيرة على منزل يارا. كان الظلام قد بدأ يسيطر على الأفق، والجو كان باردًا، لكن قلبها كان دافئًا بالقلق. خطوة واحدة نحو الباب كانت تعني أنها قد تكتشف شيئًا لا تستطيع تحمله.
مع كل خطوة، كان صوت خطواتها يتردد في أذنيها، وكأنها تسمعها بشكل أعمق من أي وقت مضى. مشاعرها كانت تتراوح بين الخوف والغضب، لكنها كانت متأكدة من شيء واحد: لم يعد بإمكانها العيش في شك. كان لابد أن تعرف الحقيقة.
وقفت أمام باب يارا، أصابعها ترتجف قليلاً، وكأنها لا تستطيع أن تلامس الجرس. لحظة من التردد مرت في ذهنها، لكن سرعان ما زالتها بصوت داخلي: "لا، يجب أن تعرفي."
دقت الجرس بخفة، وكأن صوتها يكاد يختفي في الهواء. لكن قلبها كان ينبض بسرعة أكبر، كانت تعرف أن هذا هو الطريق الصحيح. كانت عيونها تلمع بشيء من التحدي، وحين انتظرت بصمت، شعرت بشيء غريب يجتاحها، وكأنها تستعد لملاقاة مصير جديد.
يوسف كان واقفًا في مكانه، عينيه مثبتتين على الأرض، بينما عقله كان مشغولًا بكلمات يارا. كانت كل كلمة قالتها تتردد في ذهنه، وكل فكرة كانت تضعه في مكانه الأصلي. كان يعلم أنه لا يستطيع الهروب من هذه الحيرة الداخلية، ولا من مشاعره تجاه رحيل. لكن في تلك اللحظة، كان يركز على نفسه أكثر من أي شيء آخر.
ثم، فجأة، قطع الصمت صوت دقات على الباب. يوسف انتفض قليلاً، قلبه بدأ ينبض بشكل أسرع. نظر إلى يارا، وكأنما يبحث عن إجابة.
"إنتِ مستنية حد؟" قالها بصوت منخفض، بينما توتره بدأ يظهر على ملامحه.
يارا، التي كانت تسير نحو الباب دون أن تبدي أي قلق، أجابت بهدوء: "ممكن يكون بتاع الديليفري أو البواب." قالتها كما لو أنها لا تأبه للأمر، ثم فتحت الباب بدون تردد.
يوسف كان يراقبها في صمت، لكن في لحظة واحدة، وعندما فتحت يارا الباب، وقف أمامها شخص لم يكن يتوقعه أبدًا. كانت رحيل، تقف هناك أمامهما.
رحيل وقفت لحظة أمام الباب، عيونها ثابتة على يوسف الذي كان يقف خلف يارا. شعرت فجأة وكأن العالم توقف حولها، قلبها كان ينبض بسرعة، لكنها لم تستطع تحريك قدمها. كان الموقف أكثر من مجرد شك، كان حقيقة كانت تأمل أن تكون مجرد وهم. لكن، بمجرد أن رأت يوسف يقف هنا، لم يعد لديها شك في شيء.
ابتسمت يارا بخفة، كأنها تراقب رحيل بنظرة لم تخلو من السخرية، بينما يوسف كان يبدو مشوشًا، وعينيه تتنقل بين رحيل ويارا وكأنه لا يعرف من أين يبدأ.
رحيل أخذت نفسًا عميقًا، ثم قالت بصوت منخفض ولكنه مليء بالخيانة:
"يوسف، انت بتعملي إيه هنا؟" كلماتها خرجت كالصاعقة، مليئة بخيبة أمل أكبر من أي وقت مضى.
يوسف، الذي كان يشعر بثقل اللحظة، لم يستطع الرد في البداية. لم يكن لديه الكلمات المناسبة. كان يقف هناك في صمت، عينيه لا تجرؤ على مقابلة عيني رحيل. لم يكن لديه أي تفسير لهذا الموقف، وكل شيء كان يبدو ضبابيًا،كان يقف هناك، مشاعر الخوف تسيطر عليه وكأن كل شيء حوله ينهار. نظر إلى رحيل التي كانت تقف أمامه، عيونها مليئة بالخيانة والحيرة. قلبه كان ينبض بسرعة، وعقله كان يتسابق في محاولات تفسير الوضع. كان يعلم جيدًا أن رحيل لا تستحق أن تجد نفسها في هذا الموقف، وأنه لا يستطيع خسارتها.
يوسف بوتر:
رحيل ماتفهمينش غلط انا كنت جاي عشان بنتي ...
ولكن في تلك اللحظة، قاطعته يارا، التي كانت تقف على بعد خطوات، تنظر إليهما بعينيها المتربصتين.
"انت هتفضل مخبي علاقتنا ليه؟" قالتها بحدة، وكان صوتها يتنقل في المكان بشكل غير عادي. "مش عايز تعترف، صح؟"
يوسف شعر بأن قلبه بدأ ينبض بسرعة أكبر. كان يريد الهروب، ولكن لم يكن يستطيع. "اسكتي، انتي..." بدأ يصرخ، ولكن قطعته يارا.
"لا مش هسكت، وأنا مش هفضل أستناك تعمّل حاجة. إذا انت مش هتعمل، أنا اللي هعمل الخطوة دي." قالتها بنبرة قاطعة، وهي تقترب منه أكثر. كان واضحًا أن يارا لم تعد تخشى شيء. كانت تعرف تمامًا ماذا تريد.
رحيل كانت تتأمل الموقف بصمت، لكن قلبها كان يعتصر ألمًا. لم تعد تستطيع تجاهل ما يحدث أمامها.
"مخبي إيه؟" قالتها بصوت مرتجف، ولكن كان واضحًا في عيونها أنها لم تعد قادرة على التماسك.
يارا التفتت إليها، ثم إلى يوسف، وأخذت نفسًا عميقًا. "إحنا اتفقنا على قرار مهم، إحنا هنرجع لبعض." قالتها بهدوء، بينما كان وجهها يحمل مزيجًا من الثقة والتمرد. "مش قادرين نعيش من غير بعض، وكمان عشان بنتنا تتربى فوسط اب وام وعيلة سعيدة وكان لازم يكون في خطوة".
قالتها بهدوء، وكأنها أعلنت الحقيقة التي كانت تحت الرماد.
كانت رحيل في حالة صمت تام، كل شيء حولها بدا وكأنه يتوقف للحظات. كانت تشعر كأن العالم كله ينهار أمام عينيها. عيونها كانت تبحث في وجوههم، لكنها لم تجد سوى الخيانة والخذلان.
يوسف كان واقفًا هناك، يحاول أن يجد تفسيرًا لما حدث، لكن رحيل لم تعد قادرة على تحمل المزيد
يوسف الذي كان يراقبها بصمت، شعر بتلك الخيبة التي بدأت تظهر في عينيها، ولم يستطيع الوقوف مكتوف الأيدي. بدأ يشعر بالخوف من فقدانها بشكل حقيقي، فحاول أن يتكلم بصوت مرتجف:
"رحيل، ممكن تسمعيني"
"كنت دايمًا بقول لنفسي إني ممكن أصدقك، لكن دلوقتي كل حاجة بقت واضحة قدامي." قالتها رحيل بحزن شديد، لكن عيونها كانت مليئة بالقرار. "لو كنت بتحبني فعلًا، ما كنتش هتوصلني لحد هنا لو كنت بتحبني بجد ، ما كنتش هتوصلني للمرحلة دي!...
إزاي تخلي كل شيء بينا ينهار كده؟"
ثم ابتعدت عنه خطوة أخرى، وقلبها مليء بالمرارة. "مش هقدر أعيش في الخداع ده تاني يا يوسف.
احنا خلاص، انتهينا."
༺بقلم رميسة ༻
يتبع
رواية وهم الرجوع الفصل الثامن عشر 18
لقراءة باقي فصول الرواية اضغط هنا( رواية وهم الرجوع )